مولي محمد صالح المازندراني

59

شرح أصول الكافي

وسفك المهج كناية عن ارتكاب التعب والمشقّة الشديدة في طلبه . ( وخوض اللجج ) الخوض في الماء الدخول فيه ، واللجج - بالجيمين - جمع اللجّة وهي معظم الماء ، ويحتمل بعيداً من حيث اللفظ والمعنى أن يقرأ بفتح اللام وكسر الحاء المهملة والجيم بعدها ، وهو بمعنى الضيق ، يقال : مكان لجج ، أي ضيّق ، وخوض اللجج أيضاً كناية عن ارتكاب المكاره الكثيرة والشدائد العظيمة . وما ذكره ( عليه السلام ) من عدم طلبهم للعلم لعدم علمهم بشرفه وفضله ومنافعه حقّ صريح وكلام صحيح ; لأنّ الناس مجبولون في طلب المنافع ، ألا ترى أنّهم يقتحمون الأسفار البعيدة والمفاوز المخوفة والبحار العميقة بمجرّد ظنّ المنافع لهذه الحياة الفانية مع ضمان الله تعالى أرزاقهم ؟ ولو كان لهم مثل هذا الظنّ في منافع العلم التي هي سبب للحياة الأبدية بل هي عينها لطلبوه أيضاً كما يطلبون الدنيا . ( إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال ( عليه السلام ) ) ترك العطف لأنّه بمنزلة التأكيد بما هو المقصود من السابق ، وهو الحثّ على طلب العلم . ( إنّ أمقت عبيدي إليَّ الجاهل ) المقت الإبغاض ، يقال : مقته مقتاً إذا أبغضه فهو مقيت وممقوت ، ومعنى مقت الله تعالى لعبده هو إبقاؤه له وراء الحجاب ( 1 ) وعدم تفضّله عليه بالتوفيق على تحصيل الثواب ووكوله إلى نفسه المشتاقة للاقتحام في مسالك العصيان والاتّصاف بصفة العدوان والطغيان حتى تؤدّيه إلى أبعد الأبعاد عن رحمة ربّ العالمين وتقوده إلى أقبح المنازل في أسفل السافلين . ( المستخفّ بحقّ أهل العلم ، التارك للاقتداء بهم ) الظاهر أنّ كلاًّ من المستخفّ والتارك وصف للجاهل ، وعلّة مستقلّة لتعلّق المقت به ، ويحتمل أن يكون التارك وصفاً للمستحفّ وبياناً له . ويؤيّده إدراج لفظ الحقّ ; لأنّ من حقوق أهل العلم على الجاهل اقتداؤه بهم ، فإذا ترك الاقتداء فقد

--> 1 - نسبة الحبّ والبغض والرضا والغضب وجميع التأثيرات النفسانية إلى الله تعالى مجاز باعتبار وجود آثارها ، ولا ريب أنّ العالم الأدنى أخسّ الموجودات وأبعدها عن الله تعالى ، ولذلك سمّيت الدنيا دنيا ، والمنغمرون في الدنيا محجوبون عن الله تعالى ، والجاهل منغمر في هذا العالم وشهواته ، فهو بعيد عنه تعالى ومقته تعالى له بهذا الاعتبار ، وإذا لاحظ العاقل أعمال أهل الدنيا وتهالكهم على تحصيل الشهوات الدنيّة حتى أنّهم يرضون بقتل النفوس وهلاك الأموال وهدم الديار ليفوزوا بوصال امرأة وملك دار لا يعلمون هل يتمتّعون بها سنة مثلاً أو يموتون دون الوصول ؟ مقتهم وحكم بأنّهم أخبث من كلّ حيوان كالذئب ، وهذا علامة مقت الله بهم أيضاً . ( ش )